ابن رشد
289
تهافت التهافت
المسألة الأولى ( من العلم الطبيعي ) ( المسألة السابعة عشر ) ( السببية ) قال أبو حامد : الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وما يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا بل كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا ، ولا إثبات أحدهما متضمن لإثبات الآخر ، ولا نفيه متضمن لنفي الآخر ، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر ، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر ، مثل : الري والشرب ، والشبع والأكل ، والاحتراق ولقاء النار ، والنور وطلوع الشمس ، والموت وجز الرقبة ، والشفاء وشرب الدواء ، وإسهال البطن واستعمال المسهل ، وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف . وإن اقترانهما لما سبق من تقدير اللّه سبحانه لخلقها على التساوق لا لكونه ضروريا في نفسه غير قابل للفوات بل لتقدير . وفي المقدور خلق الشبع دون الأكل ، وخلق الموت دون حز الرقبة ، وإدامة الحياة مع حز الرقبة ، وهلم جرا إلى جميع المقترنات . وأنكر الفلاسفة إمكانه وادعوا استحالته . والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول فلنعين مثالا واحدا وهو الاحتراق والقطن مثلا مع ملاقاة النار فإنا نجوز وقوع الملاقاة بينهما دون الاحتراق ، ونجوز حدوث انقلاب القطن رمادا محترقا دون ملاقاة النار وهم ينكرون جوازه . وللكلام في هذه المسألة ثلاث مقامات : المقام الأول : أن يدعي الخصم أن فاعل الاحتراق هو النار فقط وهو فاعل بالطبع لا بالاختيار ، فلا يمكنه الكف عما هو في طبعه بعد ملاقاته لمحل قابل له . وهذا ما ننكره بل نقول فاعل الاحتراق يخلق السواد في القطن ، والتفرق في أجزائه ، وجعله حراقا ورمادا هو اللّه تعالى أما بواسطة الملائكة أو بغير واسطة فأما النار فهي جماد لا فعل لها . فما الدليل على أنها الفاعل ، وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار ، والمشاهدة تدل على الحصول عنده ولا تدل على الحصول به ، وإنه لا علة